علي بن محمد البغدادي الماوردي
221
أدب الدنيا والدين
الحجاج « 1 » أتي إليه بقوم من الخوارج وكان فيهم صديق له فأمر بقتلهم إلّا ذلك الصديق فإنه عفا عنه وأطلقه ووصله فرجع الرجل إلى قطريّ بن الفجاءة وكان من أصحابه فقال له : عد إلى قتال الحجاج عدوّ اللّه فقال : هيهات غل يدا مطلقها واسترق رقبة معتقها وأنشأ يقول : أأقاتل الحجاج عن سلطانه * بيد تقرّ بأنها مولاته ؟ إني إذا لأخو الدناءة والذي * شهدت بأقبح فعله غدراته ما ذا أقول إذا وقفت إزاءه * في الصف واحتجت له فعلاته أأقول : جار عليّ لا إني إذا * لأحق من جارت عليه ولاته وتحدث الأقوام أن صنائعا * غرست لديّ فحنظلت « 2 » نخلاته وقيل في منثور الحكم : المعروف رق والمكافأة عتق . ومن أشكر الناس الذي يقول : لأشكرن لك معروفا هممت به * إن اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إن لم يمضه قدر * فالشيء بالقدر المحتوم مصروف وهذا النوع من الشكر الذي يتعجل المعروف ويتقدّم البر قد يكون على وجوه فيكون تارة من حسن الثقة بالمشكور في وصول بره وإسداء عرفه ولا رأي لمن يحسن به ظن شاكر أن يخلف حسن ظنه فيه فيكون كما قال العتابي : قد أورقت فيك آمالي بوعدك لي * وليس في ورق الآمال لي ثمر وقد يكون تارة من فرط شكر الراجي وحسن مكافأة الآمل فلا يرضي لنفسه إلّا بتعجيل الحق وإسلاف الشكر وليس لمن صادف لمعروفه معدنا زاكيا ومغرسا ناميا أن يفوّت نفسه غنما ولا يحرمها ربحا فهذا وجه ثان . وقد
--> ( 1 ) الحجاج : بن يوسف بن أبي عقيل الثقفي ، السفاك ، المشهور ، ولد سنة 41 ونشأ بالطائف ، ثم اتصل بروح بن زنباع ، ثم بعبد الملك بن مروان ، ولم يزل يترقى إلى أن ولى العراق والمشرق ، وطار ذكره وعظم سلطانه ، وله مثالب مشهورة ومناقب معدودة . ( 2 ) فحنظلت : أي أتت بحنظلة لخبث ترابه .